ابن تيميه

158

الرد على الأخنائي قاضي المالكية

عندهم بالقبر ، وأما نفس داخل بيته عند قبره فلا يمكن أحدا الوصول إلى هناك ، ولم يشرع هناك عمل يكون هناك أفضل منه في غيره ، ولو شرع لفتح باب الحجرة للأمة ، بل قد قال : « لا تتخذوا بيتي عيدا وصلّوا عليّ فإن صلاتكم تبلغني حيثما كنتم » . وقد تقدم ما رواه سعيد بن منصور في سننه عن عبد العزيز الدراوردي ، عن سهيل بن أبي سهيل قال : رآني الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب فناداني فقال : ما لي رأيتك عند القبر ؟ فقلت : سلّمت على النبي صلى اللّه عليه وسلّم . فقال : إذا دخل المسجد فسلّم على النبي صلى اللّه عليه وسلّم ، ثم قال : إن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم قال : « لا تتخذوا بيتي عيدا ولا بيوتكم مقابر ، لعن اللّه اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد ، وصلّوا عليّ حيثما كنتم فإن صلاتكم تبلغني » . ما أنتم ومن بالأندلس منه إلا سواء . وكذلك سائر الصحابة الذين كانوا ببيت المقدس وغيرها من الشام ؛ مثل معاذ بن جبل ، وأبي عبيدة بن الجراح ، وعبادة بن الصامت ، وأبي الدرداء . وغيرهم لم يعرف عن أحد منهم أنه سافر لقبر من القبور التي بالشام لا قبر الخليل ولا غيره ، كما لم يكونوا يسافرون إلى المدينة لأجل القبر ، وكذلك الصحابة الذين كانوا بالحجاز والعراق وسائر البلاد كما قد بسط في غير هذا الموضع . وروى سعيد بن منصور في سننه أن رجلا كان ينتاب قبر النبي صلى اللّه عليه وسلّم ، فقال له حسن بن حسن بن علي بن أبي طالب : يا هذا ؛ إن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم قال : « لا تتخذوا قبري عيدا وصلّوا عليّ حيثما كنتم فإن صلاتكم تبلغني » . فما أنت ورجل بالأندلس منه إلا سواء . فإن قيل : الزائر في الحياة إنما أحبه اللّه لكونه يحبه في اللّه ، والمؤمنون يحبون الرسول أعظم ، وكذلك يحبون سائر الأنبياء والصالحين ، فإذا زاروهم أثيبوا على هذه المحبة . قيل : حب الرسول من أعظم واجبات الدين . وفي الصحيحين عن أنس عن النبي صلى اللّه عليه وسلّم أنه قال : « ثلاث من كنّ فيه وجد بهنّ حلاوة الإيمان ؛ من كان اللّه ورسوله أحبّ إليه مما سواهما ، ومن كان يحبّ المرء لا يحبه إلا للّه ، ومن كان يكره أن يرجع في الكفر بعد إذ أنقذه اللّه منه كما يكره أن يلقى في النار » « 1 » . وفي الحديث الصحيح ، عن أنس عن النبي صلى اللّه عليه وسلّم أنه قال : « لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحبّ إليه من ولده ووالده والناس أجمعين » « 2 » . وفي البخاري عن عبد اللّه بن هشام قال : كنا مع النبي صلى اللّه عليه وسلّم وهو آخذ بيد عمر فقال : يا رسول اللّه ؛ لأنت أحب إليّ من كل شيء إلا من نفسي . فقال النبي صلى اللّه عليه وسلّم : « لا والذي نفسي بيده ؛ حتى أكون أحبّ إليك من نفسك » . فقال له عمر : إنه الآن واللّه لأنت إليّ أحب من نفسي . قال : « الآن يا عمر » « 3 » . وتصديق هذا في القرآن في قوله : النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ

--> ( 1 ) تقدم تخريجه . ( 2 ) تقدم تخريجهما . ( 3 ) تقدم تخريجهما .